لا يعجبني في كتاباتي عن مدى إعجابي أو عدمه بألمانيا، أنها لا تخلو من التعميم الذي أمقته والذي يفسح المجال "للحدقين" أن يقولوا: "بس مش كل الألمان هيك"، ولكن من الصعب أن يكتب المرء عن بلد دون أن يعمّم، فإن قلنا إن الكرم والضيافة من صفات العرب، فإننا نعلم في الوقت نفسه أن البخيل "أشعب" كان عربياً بالمعنى المجازي.. إلخ. هذه مقدمة اعتذارية إن صح التعبير. سأتناول في هذه الحلقة موضوع النقد في أساليب التربية المدرسية. في بلادنا نسير على مبدأ: "قم للمعلم وفّه التبجيلا... كاد المعلم أن يكون رسولا". هذا بيت شعر جميل لأحمد شوقي، ولكن ماذا عن الأساتذة الذين كانوا يشبعوننا ضرباً والذين كانوا ينامون في الحصة، خاصة في شهر رمضان؟ وماذا عن الأساتذة الذين ختموا القراءة والكتابة بعد أن أنهوا دراستهم والذين قلما أعدّوا في بيوتهم ما عليهم أن يُعلّموه للأجيال القادمة؟ يعجبني في ألمانيا أن الطلبة لا يتورعون عن انتقاد معلميهم، خاصة في حفلات تخرجهم. الأساتذة يعرفون ذلك جيدا، ولذا يحرصون منذ البداية على القيام بواجباتهم واحترام طلابهم. وأنا أرى أن الاحترام المتبادل ضروري ومن أعمدة التربية المدرسية. أعتز بأستاذ علمنا أن ننظم صفوفنا وأن نشكل نقابة طلابية للدفاع عن حقوقنا. الأستاذ "عناسوة" رحمه الله كان سلطيا منفيا (في منتصف خمسينات القرن الماضي) للتعليم في مدرسة جنين الثانوية. شاركت ذات مرة في عمان في حفل تخرج فوج التوجيهي وكان أن ألقى الطلبة خطابات رنانة في مديح أساتذتهم دون أي ملاحظة نقدية. هذا لا يعجبني ولا أعتقد أننا سنتطور إذا لم يتغير هذا النهج. لا يعجبني في ألمانيا أن النظام التعليمي لا يفسح المجال لإعطاء فرصة حقيقية لأبناء الطبقات العمالية لأن يصلوا إلى مرحلة الدراسة الثانوية ومن ثم الجامعية، لأن الطبقة الوسطى، ومعظمها أكاديمية، تتحكم بمفاتيح التدريس، بما في ذلك اللغة "والإتيكيت" وإلى غير ذلك. أبناء العمال يقبعون عادة فيما يسمى "المدارس الرئيسية" (هاوبت شوله) ومنها ينتقلون إلى المدارس المهنية وورش العمل التدريبية ويصبحون كآبائهم عمالاً بالوراثة. هناك محاولات لتغيير هذا النظام ولكنها ما زالت من الأمور المُختلف عليها والتي لا تشمل جميع أنحاء ألمانيا. الكاتب: حكم عبد الهادي المحرر: عبد الرحمن عثمان *هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز