facebook logo instagram logo youtube logo X logo soundcloud logo telegram logo

السجن فراغ لمن هو خارج السجن

بدون سابق إنذار، قد يعطي الاحتلال نفسه الصلاحية بسرقة أي شخص من حولك. شاب من نابلس يرسل لأصدقائه المعتقلين الثلاثة، عمرو سلعوس وماجد دغلس وأنس قطب من نابلس، رسالة يصف لهم فيها العيد والجامعة بدونهم.

السجن فراغ لمن هو خارج السجن
كم هي صعبة الأيام حين تلحقها الأرقام، كأن تقول "هذا الأسبوع الأول على رحيل فلان.. الجمعة الثالثة على فقدان شيء ما". واليوم هو العيد الأول بدونهم، العيد الأول بدون عمرو وأنس وماجد. نحن الذين عتدنا أن نسهر سوياً ليلة العيد. في عيد الفطر الماضي افترقنا في تمام الساعة الخامسة صباحاً، أما الليلة الماضية فكانت فارغة جداً وناقصة كثيراً وتحتاج أن يكون هناك عمرو وأنس وماجد كي تكتمل. لأول مرة أصدق الفنان أبو عرب حينما قال: "شو نفع العيد للي مفارق حبابه". نعم، ما هو نفع العيد دون أن ترى أصدقاءك لكي تجلس وتسهر معهم وتنسى الدنيا بهم؟ ما أريد قوله لأصدقائي، وكما تعهدنا يوماً، فإن الحياة مستمرة. لقد سهرنا ليلة أمس، ولكنها ربما أسوأ سهرة في حياتي. خرج عاهد من الغرفة إلى السطح فذهبت وراءه ووجدته يبكي. حين سألته لماذا لم يجب، فقط سألني أين عمرو وماجد وأنس؟ كنت أنا الآخر سأبكي، ولكنني حبست الدمعة. إنني يا أصدقائي لن أسمح للاحتلال يوماً بأن يكون سبباً في نزول دمعة من عيني حتى لو حرمت منكم، فأنتم في القلب مكانكم. وأنتم تعرفون ذلك جيداً ولن ينال منا هذا العدو يوماً. الجامعة بدونكم كم هي قاسية الحياة الجامعية بدون صديق. كنت دائماً أخاف من يوم أكون فيه في الجامعة وحيداً لا شريك لي في الفراغات بين المحاضرات. كان هذا الموضوع يشكل هاجساً لدي. وعندما تخرجت من جامعة النجاح، حينها فقط أيقنت أن العلاقة التي تجمعنا أكبر من حياة جامعية، هي علاقة مختزلة في كل مرة قال لي فيها أنس: "مشتاقلكم. يلا تعالوا، بدنا نسهر الليلة للصبح". في هذه الأيام وبعد اعتقالكم زرت الجامعة عدة مرات، ولم أجرؤ في أي مرة من هذه المرات أن أذهب نحو مصعد الطب لأجلس هناك. هناك ملتقانا، حتى المقاعد الموجودة هناك تحمل أسماءنا. كنا في كل فراغ جامعي نتوجه إلى هناك دون سابق اتفاق لنلتقي. كانت هذه الزاوية عبارة عن ملتقى لنا، أمامنا الساحة البيضاء بكل تفاصيلها ومن خلفنا يأتي طلاب الطب مسرعين كعادتهم. كانت هذه الزاوية أجمل مكان بالنسبة لي في الساحة البيضاء، بل حتى في كل جامعة النجاح. في زيارتي الأخيرة للجامعة لم أجرؤ على التوجه هناك، وحتى حاولت تفادي النظر إلى تلك الزاوية. كيف أذهب إلى هناك وأجلس وأنا من داخلي متأكد أنكم لن تكونوا هناك، وأنني مهما جلست هناك وانتظرت فإنكم لن تأتوا؟ كم كانت الجامعة جميلة بكم، أما ألآن فهي المكان الأكثر حزناً بالنسبة لي. لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حالياً بعد كل نهار وفي كل ليلة أجد نفسي ممتلئاً في حكايات لا حد لها. تعودت دائماً أن أتصل بعمرو لأحدثه بكل هذه الحكايات، ومن ثم أتحدث أنا وأنس بشكل مختصر لنتفق على أن نلتقي في نهاية الأسبوع. نجلس فأبدأ أنا دائماً الحديث عن المحاكم وما أراه هناك من قصص وهموم للناس، وكعادته ماجد يبدأ بتحليل تلك القصة حتى يجد الأسباب الحقيقية لما يحدث هناك، ويدور نقاش مطول بينه وبين عمرو ليقطعه أنس بسؤال خارج الموضوع. وأحياناً كان هذا السؤال أقرب للغباء، فنضحك جميعاً. حتى أنس، حينما يفكر قليلاً في السؤال، كان أول من يضحك عليه. بعد اعتقال أنس التقيت أنا وعمرو وماجد، وكنا كلما ناقشنا موضوعاً ما نتخيل الأسئلة التي سوف يسألها أنس لو كان موجوداً. وكنا نضحك ومن ثم نحزن، هكذا بشكل فجائي نضحك ومن ثم نحزن، فنحن فقدنا جزءاً لا يتجزأ منا. أما اليوم، فأنا فقدتهم جميعاً وفي الليل لا أجد لا عمرو ولا أنس ولا ماجد، فأستكبر على نفسي وأحاول الاتصال بهم، ولكن النتيجة واحدة؛ يرد على التسجيل الصوتي ليتحداني أكثر عندما يقول إن الهاتف الذي أحاول الاتصال به لا يمكن الوصول إليه في الوقت الحالي، فأرد عليه بأن عمرو سوف يتصل يي قريباً وأنا أنتظر، وكذلك ماجد وأنس. لن أفقد الأمل، سوف يتصل أحدهم بي قريباً وأنا أشعر بذلك جيداً. في الحرية أنا فقط حزين لأني أفتقدكم، ولكنني في نفس الوقت فخور بكم. كم هو جميل أن يكون أصدقاؤك من أولئك الأبطال الذين يضحون بأعمارهم في السجون من أجل الوطن! فالسجن لمن مثلكم هو وسام شرف منحته هذه الأرض لأبنائها المخلصين. سنلتقي نحن يا أصدقائي. سنلتقي، لربما غداً أو بعد حين. ونحن نعرف ذلك جيداً، وحتى المحتل السجان يعلم ذلك جيداً. كنا دائماً نقول لكل شخص نعرفه: "لا تخشى شيئاً". وحتى ماجد حينما كان ينفعل في موقف ما كان دائماً يقول: "نحن لا نخشى شيئاً". ونحن في هذه الحياة معاً تعرضنا لما هو أسوأ من السجن. تعرضنا لمواقف جعلتنا كل يوم أصلب من اليوم الذي قبله. نحن تعلمنا الصلابة وعدم الخنوع، وحتى هذا العدو لم ولن يكسرنا يوماً كباقي شعبنا الفلسطيني، الذي لا ينكسر. سأنتظركم جميعاً في الحرية وسنلتقي، وحينها سنقول: "هذا العيد الأول من بعد الحبسة ونحن مجتمعون".   الكاتب: جابر سعد المحررة: سارة أبو الرب *هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-09-25 || 20:17

مختارات

وين أروح بنابلس؟

كانون الثاني 2026

غائم بارد نسبيا حار مرتفع جدا

أسعار العملات
الدولار الأمريكي
الدينار الأردني
اليورو الأوروبي
2.75
4.69
3.91