في قريةٍ تسلطت بها قوانينُ الجاهلية العمياءُ، وانعدمَ التفكير والإحساسُ المنطقيّ، وعدّت الفتاةُ جلاًيةً وخادمةً لإخوتها أو لبيتِ زوجها بعدَ حينٍ، جاءت نورا تتحدّى كل العقبات لتحققّ حلمها بالرداءِ الأبيضَ. فتاةٌ بملامحِ الرّيح، جميلةٌ وخلوقةٌ. هزمت كلّ من عارضَ إكمال تعليمها بحصولها على معدلّ عالٍ في الصفّ العاشِر، شجّع والديها على إرسالِها إلى بلدةٍ أخرى لتكملَ مشوار تفوقها.
في بدايةِ كل يومِ جديدِ كنا نذكرُ بعضاً من أبياتِ عنترة بن شداد والتي يقول فيها:
لقد هانَ عندي الدّهرُ لمّا عرفتهُ...وإني بما تأتي الملمّات أخبرُ
وليس سباع البرّ مثل ضباعهِ...ولا كلّ من خاضَ العجاجةَ عنترُ
سلي صرفَ هذا الدّهر كم شنّ غارةً...ففرجتها والموتُ فيها مشمّرُ
كانت تبعثُ فينا إصراراً على المتابعةِ أكثَر من ذي قبل، كلّ واحدةٍ منّا كان لديها طموحٌ أقوى من صخورِ الجبالِ. حلمت نورا أن تكونَ أوّل طبيبةٍ في قريتها: مريولٌ أبيض وسمّاعةٌ حولَ رقبتها، وحقيبةٌ في يدها وعيادةٌ صغيرةُ معلّقٌ عليها اسمُها.
"انظروا لهذه البلهاء، جاءت من قريةٍ متخلفة ترعى البقر والغنم، ملابسها يبدو أنها من البالة ومنديلها لم تقم بتغييره منذ جاءت، كيف رضيت لنفسها أن تخرج بذاك المظهر؟" لطالما سمعنا هذه الكلمات البذيئة بين ممرات الصفوف، لكنّني لم أرَ في عيون نورا أيّ تحطيمٍٍ لمعنوياتها، ليتني مثلك.
و جاء يومُ الامتحان..امتحانٌ في الفيزياء. دخلنا القاعةَ، ونورا لم تأتِ بعد، توسلّت إلى المعلّمة كي تتصل بأهلها كي تَعلم سبب غيابها، فكان ردُّها: "وأنتِ ما دخلكِ، خليكِ بحالك، هذه ليست مسؤوليتنا، الله أعلم مع من ذهبت"، وبدأت بتوزيع الأوراق.
يا اللهُ لا يوجد أيّ سبب يدعوها للغيابِ، فيوم وفاةِ عمّها قدمت إلى المدرسةِ. أمسكتُ ورقةَ الامتحان وأخذتُ أخطّ بقلمي رغمَ أنّني لم أكن أدري ماذا أكتب، سلمتها الورقة، وأدرجتُ خطواتي إلى مكتبِ المديرة "صديقتي نورا لم تأتِ إلى الامتحان، اتصلي بأهلها لنطمئنّ عليها"، ولكن لا حياةَ لمن تُنادي.
"لم تدرس جيداً ففضلتِ الغياب، سأعاقبُها بحرمانِها من إعادةِ الامتحان"، هذا ما نطقت به تلك المديرة المتعجرفةُ، عدتُ إلى الصفّ أنتظر نهايةَ هذا اليوم البائس، وما أن دقتِ السّاعة الّثانية حتى هرولتُ كأّنّني أسارعُ الزمن، أمسكتُ الهاتف محاولةً الاتصالَ بمختار قريتها، فأجابني أنه سيعاود الردّ عليّ بعد عشرِ دقائقٍ حتى يسأل عنها.
أصبحتِ الساعةُ الثانية وعشرين دقيقة، رن الهاتفُ، صوتُ أمّ نورا جاءَ باكياً "نورا ذهبت في الصّباحِ إلى المدرسة كعادتها"، وعمّ خبرُ اختفاء نورا في قريتها وكل القرى المجاورة. هربت، خطِفت. وكثرتِ الحكاياتُ. أعدت تلكَ العائلةُ السكاكين لنحرِ الذبيحةِ، صغيرٌ وكبير، شابّ وعجوز، جميعهم يتوعدون بالقتل، مسكينة يا نورا، حرامٌ أن تكوني ابنةً لهذهِ القريةِ، ذهبتُ مع أخي لأرى ماذا يجري هناك. قلوب لطخها اسمُ الشرف وعيونٌ تبرق دماً من شدّة الغضب، حملنا أنفسنا وعدنا إلى موقف السيارات.
جلسنا ننتظرُ سيارةً تقّلنا إلى بلدتنا، تحت تلك العجلات ورقةٌ، استفزّني فضولي لأراها، دقّقتُ جيداً، إنها ورقةُ امتحانٍ قديمٍ للفيزياء، "نورا، إنه خطّ نورا". عدتُ مسرعةً إلى القرية، ابحثوا عنها في هذا المكان، هياّ ابحثوا، وكنتُ معهم أودعُ اللحظاتِ الأخيرةِ التي عاشتها صديقةُ الأحلام، هذه حقيبتها، وهذه سندويشة الزّعتر، وهذا حذاؤها، وذاك منديلها، وهناك جسد نورا لم يتبقّ منه إلا وجهٌ وكدماتٌ حُفِرت على رقبتِها. آهٍ يا نورا لقد اغتصبوا روحَ حلمك.
ودّعتها برداءٍ أبيض لُفّ به ما بقيَ من جسدها حلمت أن ترتديه طبيبةً.. وانتهى الحلم.
قصة: إيمان فقها
المحرر: شادن غنام