يرى الخبير في الشؤون البيئية جورج كرزم، أن إعادة تدوير النفايات في فلسطين عملية مجدية اقتصادياً وستزيد إنتاجية موارد الطبيعة، وبالتالي تساهم في رفع إجمالي الناتج المحلي. ويقول: "60-70% من النفايات في فلسطين هي مواد عضوية يمكن تحويلها إلى كمبوست (سماد عضوي) ذي جودة عالية بتكاليف قليلة وتقنية بسيطة وبمردود كبير. و16% من الكرتون والورق والبلاستك كذلك يمكن تدويرها دون تكاليف عالية".
كنوز القمامة
ويضيف كرزم: "ستخلق مشاريع إعادة تدوير النفايات الصلبة فرص عمل كثيرة، فعلى سبيل المثال؛ دفن ألف طن نفايات جافة (معادن وبلاستيك وزجاج وورق) يخلق بالمتوسط نحو 17 فرصة عمل. في المقابل، تدوير كمية مماثلة من النفايات يخلق نحو 25 فرصة عمل، أي بزيادة 47%".
ويؤكد كرزم على أن الجدوى الكبرى هي الجدوى البيئية والصحية، فاستمرار الدفن العشوائي سيخلق كارثة بيئية بعد سنوات تتمثل بالأمراض، التي ستخلقها مكبات النفايات الصلبة القريبة من المناطق السكنية وذات القدرة الاستيعابية المحدودة. وكذلك فإن الاستمرار بسياسية الدفن سيلوث أحواض المياه الجوفية، حسب كرزم.
مبادرات فردية
منذ سنتين توقفت إيمان، من رمون شرق رام الله، عن إلقاء معظم نفايات منزلها، إذ تقوم بتحويل مهملات المطبخ إلى سماد عضوي من خلال فصلها ووضعها في برميل مغطى وفق آليه بسيطة تلعب فيها البكتيريا دوراً في تحليل المواد وتخميرها وتحويلها إلى سماد عضوي فعال يغني التربة ويزيد إنتاجيتها.
تقول إيمان، التي التقطت الفكرة من صفحات الإنترنت: "حالياً أعتمد بشكل كبير على منتجات حديقتي من خضار وفواكه وأكون واثقة من خلوها من الأسمدة والمواد الكيميائية الضارة، التي تكثر في منتجات السوق، إلى جانب أنها خلصتني من مظهر النفايات المزعج أمام باب المنزل".

تعلق مهندسة الطاقة المتجددة والبيئة علا عويدي على ذلك بالقول "إن فكرة التدوير ما تزال جديدة على مجتمعنا، فهنا تجد مشروعاً صغيراً لسيدة وهناك ورشة لعدد من الرياديين. لكن الأمر لم يصل ليكون ثقافة أو استثماراً على مستوى كبير رغم أن سلطة البيئة أضحت تولي الموضوع اهتماماً أكبر". وتضيف، أن مشاريع البيئة الممولة من الخارج غالباً ما تكون توعوية لا تستهدف خلق مشاريع استراتيجية كإعادة التدوير.
وتشير عويدي إلى أن ما نجده هو ورش لفرز النفايات خصوصاً الخردة في مناطق مختلفة كالخليل، إلا أن السوق الفلسطيني لا يستفيد منها كما يجب، إذ تباع إلى إسرائيل بأسعار زهيدة ليتم تدويرها ثم إعادتها وبيعها لنا بأسعار عالية. مضيفة: "والأنكى أن ما يتم في جنوب الضفة هو إعادة تدوير آلاف أطنان الخردة بطرق عشوائية ضارة للبيئة والإنسان لصالح إسرائيل".
البيئة تشجع
يؤكد المهندس في سلطة البيئة مروان أبو يعقوب ومدير دائرة النفايات الصلبة سابقاً، أن مؤسسته تعمل بكل طاقتها لتشجيع مشاريع إعادة الفرز والتدوير لما لها من أثر إيجابي على البيئة والاقتصاد، إلا أن الاستثمار في الموضوع غائب، حسب أبو يعقوب. ويوضح أن المطلوب هو إيجاد مشاريع ضخمة قادرة على تقليل حجم النفايات الصلبة لتكون بمثابة رافعة للاقتصاد الفلسطيني.
ويضيف: "هناك مشروع في طور التخطيط لدى بلدية البيرة بدعم كندي، وللأسف كان هناك مشروع استثماري متميز لفرز وتدوير النفايات على وشك الانطلاق في منطقة الباذان في نابلس، إلا أن خلافات دبت بين الشركة المؤسسة والبلدية حول موقع المشروع أوقفت العمل به".
مشاريع لم تستكمل!
استبشر بعض البيئيين خيراً بافتتاح أول شركة استثمارية لتدوير النفايات في فلسطين وهي « تدوير»، التابعة لمجموعة باديكو، والتي بدأ العمل على إنشائها منذ 3 سنوات برأسمال يصل إلى 3 ملايين دولار. إلا أن الشركة سرعان ما قُرر لها أن تغلق قبل بدئها العمل بعد استجابة بلدية نابلس لمطالب أهالي المنطقة، التي أقيم فيها المصنع بمنع إقامته لما فيه من ضرر عليهم.
عبد الله الشعراوي مدير دائرة الاستثمارات وتطوير الأعمال في مجموعة باديكو قال
لبوابة اقتصاد فلسطين: "تم تعطيل مشروعنا رغم ما فيه من فائدة للبيئة والاقتصاد الفلسطيني، قمنا بالمشروع من باب المسؤولية الاجتماعية أكثر منه من باب الربح، لكن إغلاقه كبدنا الخسائر. وما حصل سيجعلنا نفكر كثيراً قبل التعاون مع البلديات، لأننا كنا قد حصلنا على موافقة من البلدية السابقة والآن تلغي البلدية الجديدة الاتفاق، لكننا نعمل الآن على نقل المشروع إلى موقع آخر خارج نابلس".
من جانبه، أكد رئيس بلدية نابلس غسان الشكعة، أن قرار عدم السماح للمصنع بالعمل جاء نتيجة عدم استيفاء المصنع المراحل القانونية واحتجاجات الأهالي.

في غزة، كانت هناك تجربة مشابهة، إذ أُسس مصنع لفرز النفايات وتصنيع الذبال (السماد العضوي) في رفح بمنحة من اليابان، إلا أن المصنع، الذي كان من المفترض أن يعالج 120 طناً من النفايات يومياً ليوفر كميات كبيرة من السماد العضوي ويعيد تدوير عدة مواد أخرى كالبلاستك والورق والمعادن، قلص عمله إلى الحدود الدنيا لعدم وجود إمكانية لتسويق منتجاته بسبب الإغلاق.
ويوضح عضو مجلس الإدارة بالمشروع علي برهوم، أن أسواق مصر قد أغلقت بوجه منتجات المصنع. والكمية القليلة، التي ينتجها المصنع حالياً، تواجه منافسة من الذبال الإسرائيلي منخفض السعر.
العالم يدور نفاياته
تدوّر أوروبا ما نسبته 40% من نفاياتها الصلبة ويحتل الألمان المرتبة الأولى في العالم بالفصل بين أنواع النفايات، وتبلغ نسبة تصنيع النفايات أكثر من 60 %، إذ تعالج الصناعات الألمانية سنوياً ما قيمته 500 مليار يورو من المواد الخام. ويشكل هذا المبلغ 45 % من تكاليف الإنتاج، في حين تشكل الأجور 18 % فقط.
في إسرائيل، التي تعتبر غير متقدمة في هذا المجال إذا ما قورنت بدول أوروبا، يتم تدوير ما نسبته 18% من النفايات الصلبة فقط..
الكاتبة: أسماء مرزوق
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا التقرير منشور على موقع بوابة اقتصاد فلسطين